نصر بن محمد السمرقندي الحنفي
60
تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )
لهما بالمغفرة على أثر كل صلاة ، ويقال وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما يعني يدعو لهما بالمغفرة في حال حياتهما وبعد موتهما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً كما قاما عليّ في حال صغري حتى كبرت فأجزهما عني بالمغفرة لهما . وروي عن بعض التابعين رضي اللّه عنهم أنه قال : من دعا لأبويه في كل يوم خمس مرات فقد أدّى حقهما لأن اللّه تعالى قال : أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ فشكر اللّه تعالى أن يصلي في كل يوم خمس مرات وكذلك شكر الوالدين أن يدعو لهما في كل يوم خمس مرات ، ثم قال : رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ يعني عالم بما في قلوبكم من اللين والبر للأبوين إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ يعني إن تكونوا بارين بالوالدين فتستوجبوا على اللّه بذلك الأجر فإنه كان للأوّابين غفورا : يعني إن تركتم حق الوالدين فتوبوا إلى اللّه تعالى فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ يعني الرجاعين عن الذنوب غَفُوراً . ويقال للوالدين على الولد عشرة حقوق . أحدها : أنه إذا احتاج إلى الطعام أطعمه . والثاني إذا احتاج إلى الكسوة كساه إن قدر عليه ، وهكذا روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في تفسير قوله تعالى : وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً فقال المصاحبة بالمعروف أن يطعمهما إذا جاعا ويكسوهما إذا عريا . والثالث إذا احتاج أحدهما إلى خدمته خدمه . والرابع إذا دعاه أجابه وحضره . والخامس إذا أمره بأمر أطاعه ما لم يأمر بالمعصية والغيبة . والسادس أن يتكلم معه باللين ولا يتكلم معه بالكلام الغليظ . والسابع أن لا يدعوه باسمه . والثامن أن يمشي خلفه . والتاسع أن يرضى له ما يرضى لنفسه ويكره له ما يكره لنفسه . والعاشر أن يدعو له بالمغفرة كلما يدعو لنفسه قال اللّه تعالى حكاية عن نوح عليه الصلاة والسّلام رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وهكذا عن إبراهيم عليه الصلاة والسّلام رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ يعني يوم القيامة . وروي عن بعض الصحابة رضي اللّه تعالى عنه أنه قال : ترك الدعاء للوالدين يضيق العيش عن الولد ، وهل يمكنه أن يرضيهما بعد وفاتهما ؟ قيل له بلى يرضيهما بثلاثة أشياء . أوّلها أن يكون الولد صالحا في نفسه لأنه لا يكون شيء أحب إليهم من صلاحه . والثاني أن يصل قرابتهما وأصدقاءهما . والثالث أن يستغفر لهما ويدعو لهما ويتصدق عنهما . وروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال « إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له بالمغفرة » وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « لا تقطع من كان يصل أباك فتطفىء بذلك نورك فإن ودّك ودّ أبيك » . وذكر أن رجلا من بني سلمة جاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « إن أبويّ قد ماتا فهل بقي من برهما عليّ شيء قال نعم : الاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما » واللّه سبحانه وتعالى أعلم .